ابن رشد

116

تهافت التهافت

بالحركة ، ولذلك لزم عندهم أن تكون الأجسام السماوية حية ناطقة تعقل ذواتها وتعقل مباديها المحركة لها على جهة الأمر لها ، ولما تقرر أنه لا فرق بين العلم والمعلوم إلا أن المعلوم في مادة والعلم ليس في مادة وذلك في كتاب النفس ، فإذا وجدت موجودات ليست في مادة وجب أن يكون جوهرها علما أو عقلا أو كيف شئت أن تسميها ، وصح عندهم أن هذه المبادي مفارقة للمواد من قبل أنها التي أفادت الأجرام السماوية والحركة الدائمة التي لا يلحقها فيها كلال ولا تعب ، وأن كل ما يفيد حركة دائمة بهذه الصفة فإنه ليس جسما ولا قوة في جسم ، وأن الجسم السماوي إنما استفاده البقاء من قبل المفارقات ، وصح عندهم أن هذه المبادي المفارقة وجودها مرتبط بمبدإ أول فيها ، ولولا ذلك لم يكن هاهنا نظام موجود ، وأقاويلهم مسطورة في ذلك ، فينبغي لمن أراد معرفة الحق أن يقف عليها من عندهم . وما يظهر أيضا من كون جميع الأفلاك تتحرك الحركة اليومية مع أنها تتحرك بها المحركات التي تخصها مما صح عندهم أن الآمر بهذه الحركة هو المبدأ الأول وهو اللّه سبحانه ، وأنه أمر سائر المبادي أن تأمر سائر الأفلاك بسائر الحركات ، وأن بهذا الأمر قامت السماوات والأرض كما أن بأمر الملك الأول في المدينة قامت جميع الأوامر الصادرة ممن جعل له الملك ولاية أمر من الأمور من المدينة إلى جميع من فيها من أصناف الناس ، كما قال سبحانه : وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها . وهذا التكليف والطاعة هي الأصل في التكليف والطاعة التي وجبت على الإنسان لكونه حيوانا ناطقا . وأما ما حكاه ابن سينا من صدور هذه المبادي بعضها من بعض فهو شيء لا يعرفه القوم ، وإنما الذي عندهم أن لها من المبدأ الأول مقامات معلومة لا يتم لها وجود إلا بذلك المقام منه ، كما قال سبحانه : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ . وأن الارتباط الذي بينها هو الذي يوجب كونها معلولة بعضها عن بعض وجميعها عن المبدأ الأول ، وأنه ليس يفهم من الفاعل والمفعول والخالق والمخلوق في ذلك الوجود إلا هذا المعنى فقط ، وما قلناه ، من ارتباط وجود كل موجود بالواحد ، فذلك خلاف ما يفهم هاهنا من الفاعل والمفعول والصانع والمصنوع ، فلو تخيلت آمرا له مأمورون كثيرون ، وأولئك المأمورون لهم مأمورون آخرون ، ولا وجود للمأمورين إلا في قبول الأمر وطاعة الأمر ، ولا وجود لمن دون المأمورين إلا بالمأمورين ، لوجب أن يكون الآمر الأول هو الذي أعطى جميع الموجودات